الجصاص

364

أحكام القرآن

عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين " . وذكر الحديث ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها . وقد روى الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف " ، قال أبو بكر : ولم يستثن فيه وجود التوبة منه . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا حامد بن محمد قال : حدثنا شريح قال حدثنا : مروان عن يزيد بن أبي خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجوز في الاسلام شهادة مجرب عليه شهادة زور ولا خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر لأخيه ولا الصانع لأهل البيت ولا ظنين ولا قرابة " ، فأبطل عليه الصلاة والسلام القول بإبطال شهادة المحدود ، فظاهره يقتضي بطلان شهادة سائر المحدودين في حد قذف أو غيره ، إلا أن الدلالة قد قامت على جواز قبول شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب مما حد فيه ، ولم تقم الدلالة في المحدود في القذف ، فهو على عموم لفظه تاب أو لم يتب ، وإنما قبلنا شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب لأن بطلان شهادته متعلق بالفسق فمتى زالت عنه سمة الفسق كانت شهادته مقبولة ، والدليل على ذلك أن الفعل الذي استحق به الحد من زنا أو سرقة أو شرب خمر قد أوجب تفسيقه قبل وقوع الحد به ، فلما لم يتعلق بطلان شهادته بالحد كان بمنزلة سائر الفساق إذا تابوا فتقبل شهاداتهم ، وأما المحدود في القذف فلم يوجب القذف بطلان شهادته قبل وقوع الحد به لأنه جائز أن يكون صادقا في قذفه ، وإنما بطلت شهادته بوقوع الحد به فلم تزل ذلك عنه بتوبته . قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) . قال أبو بكر : قد اقتضت هذه الآية أن يكون شهود الزنا أربعة ، كما أوجب قوله : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) [ البقرة : 282 ] وقوله : ] ( وأشهدوا ذوي عدل منكم قبول ) [ الطلاق : 2 ] قبول شهادة العدد المذكور فيه وامتناع جواز الاقتصار على أقل منه . وقال تعالى في سياق التلاوة عند ذكر أصحاب الإفك : ( لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) ، فجعل عدد الشهود المبرىء للقاذف من الحد أربعة وحكم بكذبه عند عجزه عن إقامة أربعة شهداء ، وقد بين تعالى عدد شهود الزنا في قوله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) [ النساء : 15 ] الآية ، وأعاد ذكر الشهود الأربعة عند القذف إعلاما لنا أن القاذف لا تبرئه من الجلد إلا شهادة أربعة .